فخر الدين الرازي
95
تفسير الرازي
ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولاهم يستعتبون ( 84 ) وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولاهم ينظرون ( 85 ) هذه الأصنام . والثاني : أن المراد أنهم عرفوا أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حق ثم ينكرونها ، وبنوته نعمة عظيمة كما قال تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) الثالث : يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ، أي لا يستعملونها في طلب رضوان الله تعالى . ثم قال تعالى ( وأكثرهم الكافرون ) فان قيل : ما معنى قوله ( وأكثرهم الكافرون ) مع أنه كان كلهم كافرين . قلنا : الجواب من وجوه : الأول : إنما قال ( وأكثرهم ) لأنه كان فيهم من لم تقم عليه الحجة ممن لم يبلغ حد التكليف . أو كان ناقص العقل معتوها ، فأراد بالأكثر البالغين الأصحاء . الثاني : أن يكون المراد بالكافر الجاحد المعاند ، وحينئذ نقول إنما قال ( وأكثرهم ) لأنه كان فيه من لم يكن معاندا بل كان جاهلا بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام وما ظهر له كونه نبيا حقا من عند الله الثالث : أنه ذكر الأكثر والمراد الجميع ، لان أكثر الشئ يقوم مقام الكل ، فذكر الأكثر كذكر الجميع ، وهذا كقوله ( الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) والله أعلم . قوله تعالى ( ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن اللذين كفروا ولاهم يستعتبون وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولاهم ينظرون ) اعلم أنه تعالى لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وذكر أيضا من حالهم أن أكثرهم الكافرون أتبعه بالوعيد ، فذكر حال يوم القيامة فقال ( ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ) وذلك يدل على أن أولئك الشهداء يشهدون عليهم بذلك الانكار وبذلك الكفر ، والمراد بهؤلاء الشهداء الأنبياء كما قال تعالى ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا وقوله ( ثم لا يؤذن للذين كفروا ) فيه وجوه : أحدها : لا يؤذن لهم في الاعتذار لقوله ( ولا يؤذن لهم فيعتذرون ) وثانيها : لا يؤذن لهم في كثرة الكلام . وثالثها : لا يؤذن لهم في الرجوع إلى دار الدنيا وإلى التكليف . ورابعها : لا يؤذن لهم في حال شهادة الشهود ، بل يسكت أهل الجمع كلهم ليشهد الشهود . وخامسها : لا يؤذن لهم في كثرة الكلام ليظهر لهم كونهم